دفاتر الزعيم الرمز عرفات ماذا فيها؟جزء 1

الشهيد الرمز ياسر عرفات
في دفاتر صغيرة، احتفظ ياسر عرفات بأدق أسراره ويومياته، لم يجرؤ أحد، حتى بعد وفاته في ظروف ما زالت غامضة، على فتح تلك الدفاتر، أو مجرد
فتح الصناديق التي تحفظها في مكان لا يعرف معظم أعضاء القيادة
الفلسطينية، حتى أولئك المقربون من الزعيم الراحل، أين هي، ولا من
المسؤول عن حمايتها، أو ماهية المعلومات التي خطها ياسر عرفات بقلمه،
إلا أنهم يتفقون جميعًا على أهمية هذه الدفاتر وخطورتها، خاصة أن الزعيم
الراحل دأب، ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، على تسجيل أدق المعلومات
وأخطرها في دفتر صغير يحتفظ به داخل جيوب بدلته العسكرية، التي حرص
على ارتدائها طوال أكثر من خمسين عامًا من قيادته للثورة الفلسطينية. لم
يفارق أبو عمار دفتره الصغير أينما حطت قدماه، وكان يحتفظ بدفاتره هذه بعد
امتلائها في صناديق ومظاريف خاصة داخل مكتبه، من دون أن يسمح لأحد
بالاطلاع عليها.
«الشرق الأوسط» حاولت الغوص في عالم عرفات السري، والبحث عن
مصير تلك المذكرات، وماهية ما قد تحتويه، في لقاءات منفصلة مع عدد من
مقربيه؛ منهم من رفض الحديث، مما زاد الأمر غموضًا، ومنهم من تحدث وقال
إن تلك الأوراق تمثل تاريخ الثورة الفلسطينية وأسرارها بخط يد مفجرها
وقائدها، وإن المعلومات التي تخفيها تلك المذكرات قد تمس العلاقة
الفلسطينية مع دول شقيقة وأجنبية، تمامًا مثلما قد تطول أحياء وشهداء
داخل الثورة الفلسطينية نفسها.
يقظة عرفات الدائمة، وحرصه الأمني غير المسبوق، كانا يدفعانه دائما،
حسب كل من عملوا معه، إلى الاحتفاظ بأوراق خاصة كثيرة في الجيوب
الأربعة لبدلته العسكرية الخضراء، إضافة إلى الدفتر الصغير، بحيث كانت
جيوبه ـ على حد وصف مصوره الخاص حسين حسين ـ أشبه بمكتبة متجولة
تقبع فيها أسرار ووثائق يحتاج إليها عرفات في اجتماعاته وجولاته، إلى
جانب قصاصات صحف، ويقول حسين: «إن أبو عمار كان عادة ما يبرز من
جيوبه بعض تلك الأوراق والقصاصات خلال لقاءاته مع زعماء وقادة الدول، كي
يبرهن على كلامه». مشيرًا إلى أن من بين ما أبرزه من جيبه للرئيس
الاميركي بيل كلينتون، خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية، كانت قصاصة
من صحيفة إسرائيلية تكشف أن نصف القادمين الجدد إلى إسرائيل ليسوا
بيهود. ولا يعرف حسين أو غيره ممن عملوا إلى جانب الرئيس الراحل، ماذا
كان يكتب الرئيس عرفات في دفتره الخاص، ويقول: ما أعرفه هو أن أبو عمار
اعتاد على تسجيل بعض ملاحظاته الخاصة في كل اجتماع للتنفيذية
والمركزية، أو مع رئيس آخر، وعندما كان يمتلئ الدفتر بعد أيام أو أسابيع،
كان يضعه في صندوق خاص داخل مكتبه، وهو ما تؤكده انتصار الوزير عضو
اللجنة المركزية لحركة فتح، نافية هي الأخرى ـ مثل كثيرين في القيادة
الفلسطينية ـ علمها بمصير تلك الدفاتر، أو محتواها بعد وفاته، مشيرة إلى أن
لجنة خاصة شكلت بعد وفاة أبو عمار لفحصها، ورجحت الوزير أن تحتوى تلك
الأوراق على ملاحظات كان أبو عمار بحاجة إلى عدم نسيانها، كقرارات
للجنة المركزية والتنفيذية، ومعلومات خاصة لا يريد أن يطلع عليها أحد،
مدللة على ذلك بعودة الرئيس الراحل إلى دفتره مرات عديدة خلال
الاجتماعات، لتذكير عضو في القيادة الفلسطينية، أو ضيف اجنبي أو عربي
بقرار أو اتفاق في اجتماع سابق، وهي طريقة طالما لجأ إليها الرئيس عرفات
مع محدثيه بمن فيهم رؤساء دول أو أعضاء في القيادة.
وأشارت انتصار الوزير إلى أن دفترا مماثلا كان يحتفظ به زوجها خليل الوزير
«أبو جهاد»، واكتشفت بعد اغتياله أن الدفتر يحتوي على ملاحظات متعددة؛
منها ما هو شخصي، ومنها ما هو أمني لا يستطيع فك طلاسمه إلا كاتبه،
وتتفق بذلك أيضًا مع المحلل السياسي طلال عوكل، الذي قال لـ«الشرق
الأوسط»، «إن أحدًا لا يعرف بالضبط كم عدد النوتات التي ملأها عرفات، ولا
أظن زعيمًا أو رئيسًا ترك أوراقا بخط يده أو موقعة باسمه، توازي ما تركه
عرفات، وهي شاملة في كافة الاختصاصات والتفاصيل، ومنها ما هو أمني
وخطير، ومنها ما هو سياسي، ومنها ما يطول أشخاصًا آخرين من القيادة
وخارجها».
كما يشكك عوكل في قدرة أية لجنة تشكل على عجل، على فحص تلك
الأوراق والدفاتر وتحليلها، وقال: «إن أية لجنة ستحتاج إلى عدد ليس قليل
من الكفاءات المتفرغة، ومن أدوات ووسائل العمل، وستحتاج إلى فترة طويلة
للبحث والتنقيب في جمع تراثه، وهو كثير».
لم يلجأ أبو عمار إلى كتابة مذكراته كزعيم على الطريقة التقليدية، تمامًا
كعمله وكطريقة إدارته للنضال الوطني الفلسطيني، وكيفية اتخاذه القرار
وصناعته في حركة تحرر وطني، وسلطة تدير حياة يومية وسياسية معقدة
للفلسطينيين، متماهيًا بذلك مع شخصيته التي تحتوى على جملة من
المتناقضات، حيث تمكّن بنمطه القيادي الـمتفرِّد، من كسر القوانين
والمواصفات. فقد كان برأي المراقبين خطيباً من دون أن يُتقن الخطابة،
يرضى بالممكن، ويسعى دوماً إلى المستحيل، قوياً رغم الظروف
الداخليةوالاقليمية والدولية الخانقة. كما أن أيًا من المحيطين به ـ من
مستشارينومقربين ـ لم يجرؤ على مجرد نصحه بكتابة مذكراته لأسباب
عديدة؛ لعل من أهمها حساسية القيام بمثل هذا العمل في حركة تحرر
وطني، وخوفهم من أن يفهم عرفات أن ذلك يعني قرب انتهاء أجله أو قيادته
للشعب الفلسطيني.
يتبع……………

شارك بتعليقاتك !