المانع
قال صلى الله عليه وسلم: “اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لم منعت”
هو الذي يمنع البلاء حفظاً وعناية، ويمنع العطاء عمن يشاء ابتلاء وحماية، وهو الذي يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب. وهذا الاسم لم يرد في القرآن الكريم، لكنه مجمع عليه، فقد ذكر في كل منن رواية الوليد، ورواية زهير في الحديث النبوي الشريف.
وجاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد”
وسبحان الذي يرد أسباب الهلاك والنقصان في الأديان والأبدان بما يخالفه من أسباب الحفظ، ومن فهم معنى (الحفيظ) فهم معنى (المانع). والمنع إرادة الحفظ، وقد يكون الحفظ إرادة المنع. وكل حافظ مانع، وليس كل مانع حافظاً، إلا إذا كان مانعاً مطلقاً لجميع الأسباب المهلكة. يقول الحق سبحانه وتعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم “107″ (سورة يونس)
ويقول الإمام العارف في حكمة له: ذل البلاء خير من عزة النعماء: لأنك في ذلك البلوى تذكره وتلجأ إليه وعند عز النعمة قد تطغى، فإن ذكرته عند البلوى رفعها عنك، وإن شكرته عند النعمة زادك، بدليل قول تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد “7″ (سورة إبراهيم).
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
الباقي
هو الموجود الواجب وجوده بذاته، وهو الدائم الوجود، الموصوف بالبقاء، والبقاء لله تعالى، هو بقاء أبدي أزلي .. من أبد الأبد .. إلي أزل الأزل. وليست صفة بقائه ودوامه سبحانه وتعالى كبقاء الجنة والنار ودوامهما، ذلك بأن الجنة والنار مخلوقتان كائنتان بعد أن لم تكونا. فيكون بقاء الجنة والنار أبدياً غير أزلي. والأبد بالنسبة للجنة هو استمرار الوجود إلي ما شاء الله، ومن شاء فليتدبر هذه الآية الكريمة: وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذٍ “108″ (سورة هود)
وقد قيل في معنى الأزلي: هو ما لا يكون مسبوقاً بالعدم. وهذه الصفة من صفات الله وحده، كما أن كل شيء يستولى عليه الفناء، وكل شيء هالك إلا وجه الله. وقد قيل: إن معنى أزلية الله تعالى وأزلية صفاته، أنه موجود حيث لا مكان، فهو الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء. وسبحان الباقي.
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
القيوم
قال تعالىاللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ “255″ (سورة البقرة)
لم يوجد إله آخر حتى يرينا نفسه ودلائل قدرته، ومادام قد أخبرنا الله بالقضية الواضحة أنه لا إله إلا هو، فلابد أنه القيوم لإدارة الكون؛ لأن هذا الكون يحتاج إلي قيومية لإدارته. إن القيومية اللازمة لإدارة الكون تتطلب أن يكون القيوم سبحانه وتعالى له أزلية الحياة أنه حي، وحياته باقية بقاء الأبد الذي لا يعرف الحد من أجل المدد لكل الأجناس، للإنسان والحيوان والجماد وما سوى ذلك.
وهو سبحانه قيوم، ويقال عنها في اللغة: صيغة المبالغة، وصيغة المبالغة في اللغة بمعنى أنه إذا ما وقع حدث فإنه يقع مرة على صورة عادية، ومرة أخرى قد يقع على صورة قوية. ونحن نقول عن واحد إنه “أخير”، و”أخير” هذه تختلف عن قولنا “آخر”، وإذا كان الله قيوماً على كل عوامل الكون، فهل نقول “قائم” أم نقول “قيوم”؟ إننا نقول “قيوم”؛ لأنها تعني أنه قائم بذاته ولم يقمه غيره. إن قيام الحق المتعال هو قيام أزلي.
إذن: فكلمة “قيوم” هي صيغة مبالغة من القيام على الأمر، إنه قائم بنفسه، قائم بذاته لم يقمه أحد، وهو الخالق الذي يقيم غيره، والغي متعد متكرر وقوله الحقاللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 255″ (سورة البقرة)
هو سند المؤمن في كل حركات حياته. وأضرب هذا المثل لا للتشبيه ولكن للتقريب إلي الذهن، فالله جل علاه منزه عن التشبيه، وله المثل الأعلى: إننا في حياتنا البشرية نجد الأب ونجد الولد، فهل يحمل الولد هماً لأي مسألة من مسائل الحياة؟ طبعاً لا .. لأن الأب متكفل بها، فإذا كنا نقول: من له أب لا يحمل هماً، فما بالنا بالذي له رب، والمثل الريفي يقول: “من له أب لا يحمل هماً، ومن له رب فعليه أن يستحي فلا يحمل هماً للرزق”. إن الله سبحانه قد طمأننا جميعاً بأن أبلغنا أنه حي قيوم، ويؤكد لنا الحق سبحانه هذه القيومية في سورة البقرة حين تكلمنا عن آية الكرسي، فقال الحق سبحانه لنا عن ذاته: اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 255″ (سورة البقرة)
إن الحق سبحانه يطمئننا ويقول لنا: “إن نمتم فأنا لا أنام، لأن الحي القيوم لا ينام”، هكذا يعطي الإيمان بالله الأمن والأمان، لأن المؤمن محروس في حركة حياته بإيمانه، بأن الله لا إله إلا هو الحي القيوم القائم بأمر الخلق جميعاً. هناك من يقول: إن الله سبحانه وتعالى خلق الكون ووضع له قوانينه، ثم تركه بعد ذلك يعمل بهذه القوانين، ولكنني لا أوافق على هذا القول، الله خلق الكون، وخلق له قوانينه نعم، ولكنه قائم عليه، فلا يترك كونه لحظة واحدة. ولو كانت المسألة هي قوانين الكون وحدها، تعمل بلا تدخل من المشيئة، لعبد الناس القوانين، ولنقرأ الآية الكريمة التي يفزع إليها كل مؤمن إذا أحس بضرر أو واجهة سوء، يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ “255″ (سورة البقرة)
ومعنى “الحي” أنه دائم الحياة والوجود، لا يدركه الموت؛ لأنه خلق الحياة والموت، ومعنى “القيوم” أي: القائم على ملكه، وهذه تحتاج إلي تفسير، لأن كثيراً من الناس يردد أن الكون يمشي بالقوانين التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وهي قوانين دقيقة لا تختل بالزمن، ولا تتأثر بأي شيء. ولكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يريد أن يخبرنا أنه خلق الكون، ووضع له قوانينه ولكنه قائم عليه، أي: أن الله سبحانه وتعالى قائم على ملكه لا يتركه لحظة واحدة، والله طلب منا أن نأخذ بالأسباب.
فهناك دائماً “القيوم” القائم على ملكه الذي يمكن أن يفتح الأبواب، ويحقق ما تحسبه مستحيلاً وغير ممكن، وحينما لا تستجيب الأسباب فإن المؤمن يفزع إلي ربه ويرفع يديه إلي السماء ويقول “يا رب”. وكلمة يا رب إيمان بأن الله سبحانه وتعالى قائم على ملكه، فحين يفزع المؤمن إلي الله إنما يعلم أن الله قادر متى عجزت الأسباب، وهو قائم على كونه في كل لحظة وثانية، يبدل العسر يسراً، واليأس أملاً وفرجاً. “فهاجر” ـ رضي الله عنها ـ تركت وليدها عند بئر زمزم، وانطلقت تسعى من أجل الماء، ولكن الأسباب لم تستجب لها، وبعد سبعة أشواط تعبت وتسرب اليأس إلي قلبها، فضرب وليدها الأرض بقدمه، وهو الطفل الضعيف الذي لا يملك من أسباب الدنيا شيئاً فانفجرت الماء.
الأم القادرة التي تستطيع أن تسير هنا وهناك، وتبحث عن الماء والتي تملك قوة الأسباب لم تستجب لها هذه الأسباب، والطفل الرضيع العاجز الذي لا يملك من الأسباب من يجعله قادراً على أن يسقي نفسه شربة ماء، هذا الطفل العاجز الصغير الرضيع ضرب الأرض بقدمه فانفجر الماء. لو نظر كل منا إلي حياته لوجد أنه قد مر فيها أوقات توقفت خلالها كل الأسباب وأحس باليأس، وجلس يقلب المشكلة فلم يجد حلاً، ثم فجأة جاء الحل من حيث لا يعلم ولا يدري. إذن: فالله سبحانه وتعالى قائم على ملكه تفزع إليه النفس المؤمنة، عندما تتعطل الأسباب، وهي واثقة أن الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يعطيها عندما تعجز الأسباب، وتقف الدنيا عن العطاء، ثم تمضي الآية الكريمةاللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ “255″ (سورة البقرة)
أي: أن الله سبحانه وتعالى لا ينام أبداً، ولا يغفل أبداً، وهنا يريد الله أن يزيد اطمئنان النفس التي يصيبها الفزع من هموم الدنيا، يريد أن يعيد إليها الطمأنينة والأمان، فيذكرها بأنه: لا تأخذه سنة ولا نوم .. “255″ (سورة البقرة)
أي: لا يغفل عن شيء أبداً، ولا يخرج عن علمه شيء في الكون، فإذا لم ير الناس جميعاً فالله يرى، وإذا لم يسمع الناس جميعاً فالله يسمع، وإذا لم تصل عدالة الأرض لتقتص من الظالم فإن هناك عدالة السماء موجودة. يقول الحق سبحانه:ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار “42″ (سورة إبراهيم)
ومن هنا تكون هذه النفس المؤمنة مطمئنة إلي أن الله سبحانه وتعالى ليس غافلاً عما يعمل الظالمون.
اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ “255″ (سورة البقرة)
أي: لحظة يغفل فيها، وتكون هذه النفس المؤمنة مطمئنة إلي أن الله يحرسها ويدافع عنها، فتنام ليلها ملء جفونها، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا ينام. والله سبحانه وتعالى هنا يريد أن يقول لكل مؤمن: نم أنت ولا تخش شيئاً، فإني أحرسك وأرعاك وأنت نائم وأنت مستيقظ، فلا تدع القلق يدخل نفسك، وتحس أنك نمت نال منك عدوك أو أصابك أذى. تذكر دائماً وأنت تذهب لفراشك لتنام والقلق يملأ قلبك أن الله سبحانه وتعالى لا ينام، وأنه يحميك، فكن مطمئناً وأنت في حماية الله. وإذا كان الإنسان ينام مطمئناً إذا وضع على منزله حارساً أو غفيراً أو رجلاً ساهراً لا ينام الليل، فكيف بمن يحرسه الله.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “55″ (سورة النور)
ومن هنا فإن المؤمن يحس دائماً أنه في أمن وأمان؛ لأن الله هو الذي يرعاه في أحلك الأوقات وفي أشد اللحظات. يقول الحق سبحانهالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ “82″ (سورة الأنعام).
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
البارئ
(برؤ) بضم الراء أي خلا من العيب أو التهمة، و(برأ) من العيب أو التهمة أي قضى ببراءته منه، والاسم (برئ) كما في قوله تعالى: ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً “112″ (سورة النساء)
و(البراء) مرادف لبرئ ومنه قوله تعالى: وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون “26″ (سورة الزخرف)
و(أبرأ) فلانا من حق له عليه أي خلصه منه.
و(برئ) المريض أي شفى من مرضه.
و(برأ) الله الشيء أي خلقه صالحا ومناسبا للمهمة والغاية التي ابتغاها من خلقه، ومنه بريت القلم أي جعلته صالحا للكتابة، وبريت السهم أي جعلته مناسبا وصالحا للإصابة .. والاسم (بارئ).
و(البارئ) اسم من أسماء الله الحسنى، فإذا قلنا خلق الله عز وجل الإنسان فمعنى ذلك أنه استحدثه وأوجده من العدم المطلق، وإذا قلنا برئ الله الإنسان فمعنى ذلك أنه استحدثه وأوجده من العدم المطلق في خلقة تناسب المهمة والغاية التي خلق من أجلها. فالخالق قد يخلق الشيء مناسبا أو غير مناسب، أما البارئ فلا يخلق الشيء إلا مناسبا للغاية التي أرادها من خلقه ويؤخذ ذلك من قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويمٍ “4″ ثم رددناه أسفل سافلين “5″ (سورة التين)
فلو كان فعل الخلق يشير إلي درجة الخلق من الحسن أو القبح لما أضاف المولى عز وجل عبارة في احسن تقويم، ولو كان اسم الله عز وجل (البارئ) مرادفا مرادفة تامة لاسمه (الخالق) لما قال تبارك وتعالى: هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم “24″ (سورة الحشر)
وإذا تأملنا الكون المحيط بنا سنلاحظ أن الله عز وجل قد خلق كل شيء صالحا لمهمته مناسبا للغاية من خلقه ومتوائما مع المحيط الذي وضع فيه. فالإنسان خلق ليكون خليفة الله عز وجل على الأرض وليكون عارفا بالله عابدا له متأملا في ملكوته لذلك برأه في خلقه تناسب جلال الغاية فبرأه أي خلقه في احسن تقويم ..
أي احسن خلقه، فجعله احسن المخلوقات من حيث التركيب ومن حيث الشكل، مألوفا من سائر الكائنات الحية، معظم الكائنات في علاقة ود وتراحم مع الإنسان .. الحصان .. الجمل .. الحمار .. الكلب .. القط .. الطيور حتى الجن يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم كما قال المولى عز وجل: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما سوءتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون “27″ (سورة النساء)
فالشياطين يروننا لأننا مقبولون مألوفون لهم شكلا بينما لا نرى نحن الشياطين لأن أشكالهم غير مألوفة ولا مقبولة لدينا. ولقد صرح المولى عز وجل بخلافة الإنسان على الأرض فقال سبحانه: وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً قالوا تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون “30″ (سورة البقرة)
فالإنسان بصريح الآية السابقة خليفة الله عز وجل على الأرض .. خلق ليكون عارفاً بالله عابداً له، لذا برأه مناسبا لهذه الغاية بأن ميزه بالعقل، والعقل كما نعلم هو مستقر ومستودع وسائل الإدراك .. إليه ترجع قدرة الإنسان على السمع والبصر والشم واللمس، وهو الذي يحوي الذاكرة مخزن المعلومات، وهو المسئول عن عملية التفكير والتي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات.
وليس ذلك فحسب بل جعل الله للإنسان وسيلة للتعبير والبيان عما يجول بخاطره .. فخلق له لسانا مبينا ينطق الحروف بمخارجها، والحرف أساس الكلمة، والكلمة وسيلة التعبير عن المعنى الكامن في عقل الإنسان، والمولى عز وجل قد علم آدم كل الكلمات كما جاء في قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين “31″ (سورة البقرة)
وقال سبحانه أيضا: الرحمن “1″ علم القرآن “2″ خلق الإنسان “3″ علمه البيان “4″ (سورة الرحمن)
وإذا تأملنا سائر الكائنات والتي خلقت مسخرة للإنسان، سنجد أن المولى عز وجل قد برأ كل كائن ـ أي خلقه مناسبا لمهمته ـ، فالناقة والحمار لديهما من القوة ما يمكنهما من حمل الإنسان وأثقاله إلي الأماكن المتباعدة. والحصان أوتى قدرا من السرعة ليتمكن به الإنسان من قطع المسافات البعيدة في أزمنة قصيرة. والبقر أوتى لحما كثيرا ليمد الإنسان بالغذاء الذي يحتاج إليه من البروتين وغيره من المواد الغذائية، وأجرى الله من بطونه لبنا نقيا سائغا للشاربين كما قال جل وعلا:وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين “66″ (سورة النحل)
حتى المخلوقات التي يظن البعض أن وجودها يمثل شرا محضا للإنسان .. تجد المناسبة بينها وبين مهمتها في الكون واضحة جلية، فهي من جهة تملك إيذاء الإنسان، إذ منها ما هو مفترس، ومنها ما قد يقتل الإنسان بسمه، وهذا الإيذاء ليس مقصودا بذاته وإنما قصد به إحاطة الإنسان بقدر من الأعداء لا يملك أن يتصدى لهم إلا بمعونة الله عز وجل .. فيلجأ إليه بالعبادة والدعاء إذا تمكن منه أحد هؤلاء الأعداء.
ذلك أن الإنسان يكون أقرب ما يكون من ربه عز وجل في حالات الحاجة كالمرض والشيخوخة والظلمة وغير ذلك من دواعي الحاجة والضيق والخوف وفي ذلك يقول جل وعلا: وإذا مس الإنسان الضر دعا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلي ضرٍ مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون “12″ (سورة يونس)
وقوله تعالى: فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم خولناه نعمةً منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون “49″ (سورة الزمر)
ومن جهة أخرى فإن الإنسان ينتفع بهذه المخلوقات .. فمنها ما ينتفع بجلده ومنها ما يفرز سموما تستخدم في صناعة الأدوية والعقاقير، كما قال شوقي رحمه الله في مدح الرسول عليه افضل السلام وأتم التسليم:
الحرب في حق لديك شريعة
ومن السموم الناقعات دواء
وإذا تأملنا المخترعات التي توصل إليها الإنسان واستطاع أن يخرجها إلي حيز الوجود .. سنجد أن الإنسان لم يخلقها من العدم المطلق بل صنعها من مواد سابقة لها في الوجود، والإنسان لم يعط هذه المواد الخصائص الملازمة لها والتي كانت أساس هذا الاختراع أو ذاك. خذ على سبيل المثال التلفاز والمذياع تجد أن نظرية عملهما تقوم على تحويل الصوت أو الصورة إلي موجات كهربائية لها تردد أو ذبذبات الصوت .. هذه الموجات تنتقل عبر الهواء أو الأثير، ثم يتم استقبالها بواسطة أجهزة استقبال، ثم يتم تحويل هذه الموجات الكهربائية إلي صوت أو صورة مرة أخرى من خلال التلفاز أو المذياع.
وهنا نتساءل: هل الإنسان هو الذي جعل الهواء قادرا على نقل الموجات اللاسلكية؟. لاشك أن الله عز وجل هو الذي (برأ) الهواء أي خلقه بما له من خصائص ليناسب المهمة والغاية التي ابتغاها من خلقه .. فهو الذي جعل في الأوكسجين اللازم لتنفس الإنسان وثاني أكسيد الكربون اللازم لتنفس النبات، وجعل فيه من الخاصية ما يمكنه من نقل الموجات الكهربائية واللاسلكية، فهو جل وعلا يعلم بعلمه الأزلي وأراد بمشيته أن يمكن الإنسان في يوم من الأيام من اختراع أجهزة لنقل الصوت والصورة .. هذا اليوم الذي سيزداد فيه أهل الأرض وتتباعد بينهم المسافات فيستلزم الأمر وسائل للتعارف وتبادل العلوم .. فهو جل وعلا القائل: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير “13″ (سورة الحجرات)
وهو سبحانه المتكفل بأن يظل هذا التعارف قائما لا يحول دونه بحار أو محيطات أو جبال أو تلال، وهذا ما حققته الأجهزة الحديثة للاتصالات والتي اخترعت من مواد لها خصائص معينة، هذه الخصائص ـ كما قلنا ـ لازمتها منذ أن خلقها الله عز وجل. تأمل أيضا وسائل النقل .. تجد أن الله عز وجل قد خلق المعدن الذي استخدمه الإنسان في تصنيع هذه الوسائل .. وهو سبحانه الذي خلق البترول بما له من خاصية الاشتعال وتوليد الطاقة، وأودعه في باطن الأرض حين يحين ميعاد استخراجه واستخدامه. كل شيء في الكون .. برأه الله عز وجل أي خلقه مناسبا وصالحا للمهمة والغاية التي خلق لها، فندعوه جل وعلا كما برأنا أن يبرئنا من العيوب والخطايا وأن يبعثنا يوم القيامة من الفزع آمنين.
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
الرزاق
من أسماء الله الحسنى الرزاق، يقول الحق سبحانه وتعالى: إن الله هو الرزاق “58″ (سورة الذاريات)
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق”
ورزق الله نعمة منه لا تحصى.
أولاً: رزق الخلائق جميعاً بكافرهم ومؤمنهم وكل ما في الكون حرصاً عليه وما فيه، منه وإليه، يقول الحق سبحانه وتعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها “6″ (سورة هود)
وهذا عطاء الربوبية؛ لأن الله استدعى الكون إلي الوجود، وإلي ما يحتاج إليه في الخلود.
أما الرزق الثاني: فهو عطاء الألوهية للمختارين من عباده، وليس الرزق هو المال، فحلاوة اللسان رزق، والقبول رزق، وخفة الظل رزق، والستر رزق، والرضا بقضاء الله رزق. ومثال القبول نجد نجارين متجاورين مكاناً وزماناً وبضاعة، وتجد قبولاً في أحدهما وإعراضاً عن الآخر، ولا تسأل عن الحكمة في ذلك فهذه أرزاق. ونجد فتاتين إحداهن سوداء، والأخرى بيضاء، ونجد قبولاً في السوداء لأن كلاً منهما له رزقه، ورزق السوداء مقدم، لأن أمره جاء وقته، أما الأخرى فرزقها بميلاد يولد في حينه، وهذا تقدير العزيز العليم.
يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) (سورة فصلت)
والأرزاق لها غذاء، وغذاء القلوب ذكر الله، وبالذكر يحصل غناها ويزول فقرها، يقول الحق سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) (سورة الرعد)
ورزق النفس بالسكينة والطمأنينة، يقول الحق سبحانه وتعالى: يا أيتها النفس المطمئنة “27″ ارجعي إلي ربك راضية مرضية “28″ (سورة الفجر)
ورزق السمع البيان والتبيين والتثبت، يقول الحق سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)(سورة الحجرات)
ورزق العقل التفكير، يقول الحق: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) (سورة آل عمران)
ورزق الأدب اتباع منهج الله، واتباع سنة رسوله. ورزق اليوم الحلال من الطيبات،
بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) ( سورة الإسراء)
ولكي تدوم الأرزاق، وتدوم النعم فاذكر الله كثيراً بقدر ما أعطيت من نعم. يقول الحق سبحانه:
يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيراً “41″ وسبحوه بكرة وأصيلاً “42″ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلي النور وكان بالمؤمنين رحيماً “43″ (سورة الأحزاب)
أي: اسألهم يا محمد هذا السؤال، ولا يسأل هذا السؤال إلا من يثق أن الجواب سيكون بما يحقق مراد السائل. لنفرض أن أنباً قال: إن أبي لم يعد يحضر لي ما أريد، وجاء الأب وعلم ما قاله الابن فسأله: م الذي جاءك بهذا الثوب الجديد؟ وهذا الحذاء الجديد؟ وهذا القلم الجديد؟ يسأل الأب هنا ليعرف من الذي جاء بهذه الأشياء؟ طبعاً لا.
لأن الأب هو الذي جاء بها، فكيف يسأل عمن أحضرها، مع أنه هو الذي جاء بها، وهل يريد فعلاً أن يعرف من أحضرها؟ طبعاً لا!! إنما هو يعرف أن ابنه لن يجد جواباً، إلا أن يقول: أنت الذي أحضرت هذا وهذا. وهذا ما يريده الأب بأن يشهد الابن على نفسه بأنه لم يهمه. كذلك هذه الأسئلة التي ساقها الله سبحانه وتعالى يريد بها اعترافاً، وليس جواباً من المسئول، فيقول تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض “31″ (سورة يونس)
والرزق ما ينتفع به، والانتفاع الأول هو ضروريات الحياة. والثاني هو كمالياتها. والرزق هو أصل استمرار الحياة، فإن توقف توقفت. الله سبحانه وتعالى طلب من محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل، ولم يطلب منه أن يجيب، بل طلب أن يجيب الكفار. الحق سبحانه وتعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون “172″ (سورة البقرة)
فالرزق خلقه الله أولاً، وأعطاه لبعض خلقه ثانياً، وجعله ليخدم الذين أعطاهم الله هذا الرزق، ويعطوا منه لمن ضيق عليه فيه. فالله خلق الرزق، وأعطاه لبعض خلقه، وهذا البعض ينتفع به، ويخرج منه المحتاجين، فالله تعالى خير الرازقين؛ لأنه خلق الرزق وأعطاه لك، فأنت تعطي من رزق الله الذي أعطاه لك. ولذلك كره العلماء أن يسمى إنسان رازقاً، وإن كان ربنا قال عن نفسه: خير الرازقين
“114″ (سورة المائدة)
فلا رازق إلا الله. ولذلك تجد إنساناً يعمل بواباً أو فراشاً أو ساعياً عند أحد أصحاب العمارات أو الشركات، فإذا حدث خلاف بينهما وفصله صاحب العمل.
تجد العامل الضعيف المحتاج يصرخ في وجهه ويقول: ربنا هو الرازق، إياك أن تفتكر نفسك أنك ترزق أحداً، وينصرف وهو يعلم يقيناً أن رزقه على الله، مع أنه كان يأخذ أجره منه. ولكن هذا العامل نظر إلي الرازق الأول سبحانه وتعالى الذي يرزق من يشاء بغير حساب، ولأن الذين هاجروا في سبيل الله رزقهم حسن، فالله وعدهم أن يدخلهم مدخلاً يرضونه.
إن الأرزاق التي أوجدها الله في الكون تنقسم إلي قسمين: رزق يمكن الانتفاع مباشرة به، ورزق هو سبب لما انتفع به مباشرة. فالإنسان، يأكل رغيف الخبز، ويشرب كوب الماء، ويكتسي بالثوب، ويسكن البيت، وينير المصباح، كل ذلك رزق مباشر، ولكن المال يأتي بالرزق المباشر، ولا يغني عن الرزق المباشر، فإذا امتلك إنسان جبلاً من الذهب وهو جائع فماذا يصنع به؟ إن رغيف الخبز في هذه الحالة أنفع للإنسان من جبل الذهب، إن رغيف العيش رزق مباشر.
إن النقود والذهب يشتري بها الإنسان هذا الشيء وغيره، ولكن النقود لا تغني عن الخبز والماء. وبعد أن وضع الله للإنسان قدرة أن يستغل المال في شراء كل شيء، فإن هناك بعضاً من الأوقات يجعل فيها الله هذا المال لا يشتري أي شيء، ولا يساوي أي شيء، وذلك حتى يعرف البشر أن المال ليس غاية، ولا يصلح أن يكون غاية، بل هو وسيلة، وإن فقد المال وسيلته وأصبح غاية فلابد أن يفسد الكون. إن علة فساد الكون كله في القدر المشترك هو أن المال أصبح غاية ولم يعد وسيلة.
عطاء الربوبية
إن الحق رحيم بعباده، ولكنه لا يختص برزق المؤمنين، فهو سبحانه العادل الكامل لا يترك غير المؤمنين دون أن يقيموا أود الحياة، وأن يحافظوا على حياتهم بأن يأكلوا مما في الأرض حلالاً طيباً. إن الحق سبحانه هو رب كل الناس، وهو الذي خلق كل الناس؛ لذلك فبحب الخالق لصنعته من الخلق يدعوهم إلي أكل الحلال والطيب؛ ليصون الحق سبحانه صنعتهن وهم الخلق أجمعون. المؤمن منهم والكافر.
إن الحق سبحانه رب ومرب، ويجب لصنعته أن تكون في احسن حال، حتى ولو لم يؤمن بعض الناس، إن الدعوة لأكل الحلال والطيب هي صيانة للإنسان من الشيء الضار. وهنا نأتي لموقف يتخذه كثير من الذين أسرفوا على أنفسهم، ويحبون أن يكذبوا قضية الدين، وقضية التحريم، لعل ذلك التكذيب ينجيهم من اللوم الفطري الذي توجهه النفس لصاحبها أن يخرج عن منهج الله. ولعل ذلك التكذيب ينجيهم من عذاب تصور الجحيم الذي يعرفون أنه بانتظارهم يوم القيامة. إنهم لم يستطيعوا أن يحملوا أنفسهم على مطلوبات الله؛ لذلك يقولون الكذب ويسألون أسئلة تدل على عدم الفهم.
إن الواحد منهم يقول: مادام لحم الخنزير حراماً، فلماذا خلقه الله؟ ومادام هناك شيء تخرجه الأرض فلماذا يحرم الدين بعض المأكولات ولا يحرم البعض الآخر؟ إنهم يعتقدون أن كل مخلوق في الأرض له مهمته.
إن الزمن يلفتهم ـ وهم غير مؤمنين ـ إلي أن يمسكوا ـ على سبيل المثال ـ الثعابين والحيات ليستخلصوا منها السموم، ويأخذوا من هذه السموم دواءً ليقتلوا به ميكروبات تفتك بالإنسان. وقيل: إن الكافر منهم كان يتساءل بنبرة تعالٍ على الخالق قائلاً: لماذا خلق هذا الثعبان في الكون وما فائدته؟ ما لزوم خلق الثعابين؟ إن الحق سبحانه وتعالى يجعل الإنسان محتاجاً إلي الثعابين ليأخذها، ويحتال عليها ليأخذ منها السموم لمصلحة من؟ لمصلحة الإنسان. إن الثعبان ليس مخلوقاً من أجل أن نأكله، ولكنه مخلوق لنستخلص منه العلاج، لكن موقف المؤمن بالله يختلف عن موقف المنكر للإيمان، إن المؤمن إذا رأى شيئاً محرماً فعليه الالتزام بتكليف الإيمان .. إن على المؤمن أن يأخذ بأسباب الله التي خلقها في الكون، ليستكشف مهمة كل مخلوق في الكون.
إن كل شيء أو كائن إنما هو مخلوق لمهمة يؤديها في الكون، إن الخالق قد حرم على العباد أن يقتلوا أنفسهم بالسموم، ولكن الحق سبحانه أباح استخدام هذه السموم في التخلص من الآفات والميكروبات التي قد تفتك بالإنسان. إن على المؤمن أن يعرف أنه يجهل الكثير من قضية الكون، بدليل أنه يكتشف فيها سراً جديداً كل يوم. ولأضرب لكم مثالاً مر بي، وقد يمر بأي واحد منكم، إنني لا أنسى هذا المشهد الذي رأيته في أحد مراكز الأحياء المائية.
لقد رأيتهم يحضرون نوعاً من السمك، لا يزيد طوله على عقلة الإصبع، ولا يكبر، ولا يأكله أحد. وله مهمة واحدة هي تنقية الماء من أي عوالق أو شوائب، ويعيش هذا السمك في الأماكن التي لا ينقي الإنسان فيها الماء، فإذا رمى أحد في هذا الماء أي مخلفات، فهذا النوع من السمك يتجمع على الفور ليأكل هذه المخلفات وينقي الماء منها؛ لأن الخالق القيوم قد خلقه لهذه المهمة؛ لذلك لا يكبر هذا النوع من السمك حتى لا يطمع فيه أحد ويأكله. إنه ترتيب دقيق من الحي القيوم.
ولننظر إلي الذباب ـ على سبيل المثال ـ إن الذباب لا ينشأ إلا في الأماكن القذرة والخطر من الذباب إنما يأتي من أنه ينقل الميكروبات من الأماكن القذرة إلي الإنسان؛ لهذا نجد الدين الحنيف يأمرنا بالنظافة لا في البدن فقط، ولكن لابد لنا أن نحتفظ بأماكن حياتنا نظيفة. فإذا أراد إنسان أو مجتمع أن تقل فيه خطورة الذباب فلابد من الامتثال لأمر الإيمان بالنظافة، ونظافة الجسد والملابس والمكان.
إذن: فكل خلق في الوجود مرتب ترتيباً دقيقاً، إن ترتيب الخالق الرزاق المربي. ومادام الخالق قد خلق الإنسان ورزقه، لذلك فعلى الإنسان طاعة نداء الحق، إن الحق سبحانه ينادي خلقه مطالباً إياهم أن يفتحوا أعينهم ليروا أن كل مخلوق مهما صغر له مهمة في الوجود. إن على الإنسان أن يتسامى في بحثه، ليدرك بعضاً من مهام غيره من المخلوقات، والذين يختصون الخالق الأكرم بالعبادة هم القدوة لغيرهم من الناس. لذلك يقول الحق سبحانه لهم: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون “172″ (سورة البقرة)
عطاء الألوهية
قال تعالى: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار “37″ ليجزيهم الله احسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب “38″ (سورة النور)
ولنا أن نسأل: ما الرزق؟
الرزق عند القوم هو ما به ينتفعون، فكل شيء ينتفع به الإنسان يسمى رزقاً، لكن لنا أن نفرق بين الرزق الحرام والرزق الحلال؛ لأن الحرام منفعته عاجلة وضرورة حتمية، أما الحلال فقد يكون منفعة قليلة في نظر البعض، ولكنها كثيرة الخير ودائمة التجدد. والناس قد يقصرون كلمة الرزق على شيء واحد يشغل بالهم دائماً، وهو المال. لهؤلاء نقول: لا، إن الرزق هو ما به يتم الانتفاع، فالعلم رزق، والخلق رزق، والعبادة رزق، ولنا أن نتأمل قول الحق سبحانه: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون “71″ (سورة النحل)
إن التفاوت في الرزق أمر أراده الله حتى يستطرق الرزق بألوانه المختلفة بين العباد، فإذا تميز واحد برزق في أمر ما، فإنه يرد بعضاً منه على الناس؛ لذلك فالرزق هو كل ما يتم الانتفاع به.
وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب “38″ (سورة النور)
فلنا أن نتفهم معنى “بغير حساب” إن الحساب يقتضي محاسباً ومحاسباً عليه، ولأن الحق سبحانه هو الوهاب فقد يرزق الإنسان لا على قدر سعيه، ولكن أكثر مما يتخيل الإنسان. إن الحق سبحانه حين يرزق فلا توجد سلطة أعلى منه تقول له:
لماذا أعطيت؟ إن الحق سبحانه يعطي بطلاقة قدرته، وقد يعطي الله الكافر حتى يتعجب المؤمن. لكن لماذا لا يحسب المؤمن عطاء الله له من الحسنات المضاعفة، ومن الأمان النفسي، إن الإنسان حين يقرأ والله يرزق من يشاء بغير حساب “38″ (سورة النور)
فعليه أن يعرف أن الحساب واقع من الله على الغير لماذا؟ لأن قول الحق سبحانه واضح ومحدد. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون “96″ من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه حياة طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن مما كانوا يعملون “97″ (سورة النحل)
إن ما يملكه الإنسان مهما بلغ من الثراء محدود ومعدود، أما ما يملكه الحق الرحمن فهو غير محدود أو معدود، وعندما يعرف الإنسان ذلك فإنه يلزم الآداب، ذلك أن الذين يعبدون لهم أجرهم بأفضل مما عملوا، وليس هذا الأمر في الآخرة فقط، ولكن في الدنيا أيضاً. إن الحياة تكون مباركة بالقناعة والرزق الحلال، ثم يذهب الإنسان في الآخرة إلي حسن المآب. إذن: فليلزم كل إنسان أدبه، إن رأي غيره قد رزقه الله أكثر منه؛ لأنه لا يعلم حكمة الله في ذلك، إن علينا أن نعرف أن الرزق هو امتحان وليس وسيلة تكريم أو إهانة للإنسان، إن الإنسان قد يقف في الذي تحدث عنه القرآن الكريم: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن “15″ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن “16″ (سورة الفجر)
لا، إن الكرم ليس في زيادة الرزق، ولكن في اجتياز الإنسان لامتحان هام هو حسن استخدام الرزق، وقلة الرزق ليست إهانة للإنسان، ولكن هي أيضاً اختبار. فالإكرام الإلهي لا يكون إلا إذا وفق الإنسان في أداء حق النعمة، والتقدير في الرزق لا يكون إهانة إلا إذا لم يوفق الإنسان في أداء حق النعمة.
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين محمد النبي الامين وعلى آله وصحبه وسلم اجمعين
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى لِلْمُتَّقِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ, اَلْمَلِكُ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, اَلصَّادِقُ اَلْأَمِينُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وبعد .. ؛
فإن نعمة الإسلام نعمة من أجل النعم وأوفاها وأعلاها , ويجب على المسلم أن يحمد الله تعالى ليل نهار على تلك النعمة الكبرى والمنة العظمى , إذ جعله من أهل التوحيد الخالص والدين الحق ؛ فهو دائم الشكر على نعمة الإسلام لما لهذا الدين من خصائص وفضائل منها :
أن الإسلام هو الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده:
قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ سورة آل عمران: 19 , وقال سبحانه: \” وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ \” سورة آل عمران: 85.
وعَنْ عَمَّارِ بن أَبِي عَمَّارٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:\” حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) سورة المائدة , وَعِنْدَهُ يهودِيٌّ , فَقَالَ لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الآيَةُ لاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: جُمُعَةٍ , وَيَوْمِ عَرَفَةَ. الطبراني في معجمه الكبير ج 12/ ص 185 حديث رقم: 12835 الألباني : مشكاة المصابيح 1/306.
فالله تعالى قد رضي لعباده هذا الدين الأغر الخاتم وهو سبحانه لا يرضى لعباده إلا لما فيه الخير الكامل والصلاح الأتم لهم.
لذلك علينا التمسك بديننا الحنيف الذي ارتضاه ربنا لنا ولنقرا ماذا قال اعداء الدين عنا لنقراها بتمعن
















