التدوينات الموسومة بـ ‘الله’
المصور
(صور) الشيء أي جعل له شكلا معلوما .. ويطلق هذا الفعل على من يقوم بعمل تمثال مجسم للشيء .. أو يرسمه على الورق .. أو يلتقط له صورة بآلة تصوير .. والاسم (مصور).
و(المصور) بأل التعريف اسم من أسماء الله الحسنى.
و(صور) الله عز وجل الأشياء أي جعل لكل منها شكلا معلوما، وإذا تأملت الكون المحيط بلك تجد أن المولى عز وجل قد جعل لكل نوع من المخلوقات شكلا يميزه عن غيره من الأنواع، فالإنسان يختلف عن الجمل ويختلف عن القرد وهكذا. كما أنه جل وعلا قد جعل لكل فرد داخل النوع الواحد صورة تميزه عن غيره من أفراد نوعه، فإذا نظرت إلي زيد من الناس فإنك تعرفه بمجرد النظر إلي وجهه، وهذه من معجزات التصوير الإلهي، فرغم أن تركيب الوجه لا يختلف من إنسان إلي آخر .. إذ يتكون من العينين والأنف والأذنين والفم، إلا أنه تبارك وتعالى يصور من هذه التركيبة عددا لا نهاية له من الوجوه.
ورغم أن يد الإنسان تتكون من خمسة أصابع لها نفس التركيب إلا أن كل إنسان له يد تختلف في الشكل عن أيدي غيره من البشر، فالحق سبحانه وتعالى يصور من التركيبة الواحدة عددا لا نهائيا من الأشكال. ومن نعم الله عز وجل على الإنسان أنه اختصه بحسن الصورة وجعله اجمل المخلوقات شكلا فجعله منتصب القامة سوى الأعضاء حسنها، وفي ذلك يقول جل وعلا: الإنسان على صورة الله ومثاله .. يكون المولى تبارك وتعالى له فم وهنا نتسائل: ما وظيفة هذا الفم بالنسبة لله عز شأنه؟
فإذا قلنا أنه يأكل فقد نسبنا له نقصا لا يتناسب مع كماله المطلق لأنه تبارك وتعالى غني عن الطعام والشراب، إذ كيف يأكل ويشرب وهو (القيوم) القائم بنفسه قياما مطلقا والمقيم لغيره من المخلوقات التي خلقها؟
بل كيف يأكل ويشرب وقد كان جل وعلا موجودا من قبل ولم يكن هناك كون ولم يكن هناك طعام ولا شراب .. إن الطعام والشراب من مخلوقاته جل وعلا فهل يليق بالخالق أن يحتاج إلي مخلوقاته لكي يظل ويبقى على قيد الحياة. وإذا قلنا إن الله عز وجل لا يأكل بهذا الفم .. فهل يتكون جل شأنه من أعضاء التبول والتبرز وغيرهما من الأعضاء البشرية. ومن جهة أخرى وكما قلنا من قبل لو كان الإنسان على صورة الله ومثاله إذن فهو جل شأنه مركب من أجزاء، والأجزاء مكونة من المادة .. وهنا نسأل: كيف يتكون الله عز وجل من المادة وقد كان تبارك وتعالى منذ الأزل ولم تكن هناك مادة قبل خلق الكون، بل كيف يتكون من المادة وهي مخلوق من مخلوقاته عز وجل، فهل يليق بالخالق جل شأنه أن يحل في مخلوق وكيف يكون مركبا، والمركب يحتاج إلي من يسبقه في الوجود ويركب له أجزاؤه في حين أن الحق تبارك وتعالى أزلي بلا بداية ولم يسبقه أحد في الوجود.
إذن الاعتقاد بأن الله عز وجل قد خلق الإنسان على صورته ومثاله هو اعتقاد فاسد باطل، والنصوص الواردة في هذا الشأن صريحة ولا يمكن تأويلها لتؤدي معاني أخرى، وهي نصوص باطلة بأي وجه من وجوه التأويل. وصوركم فاحسن صوركم وزقكم من الطيبات (سورة غافر ـ 64)
ويقول سبحانه أيضا: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم (سورة الأعراف ـ 11)
والتصوير يبدأ من الرحم كما قال المولى عز وجل: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم “6″ (سورة آل عمران)
وقد ورد عن النبي عليه افضل الصلاة وأتم التسليم أنه قال: (إذا مر النطفة اثنتان وأربعين ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك)
وفي مجال الحديث عن التصوير الإلهي أود أن أشير ـ كما أشرت قبلا ـ إلي قضية بالغة الخطورة ألا وهي أن بعض العقائد تزعم أن الله عز وجل قد خلق الإنسان على صورته ومثاله .. أي أن الإنسان قد خلق على صورة الله عز وجل.
وهذا اعتقاد فاسد واضح البطلان لأن الإنسان وإن كان مخلوقا على احسن صورة إلا أنه مخلوق، وقد شاءت الإرادة الإلهية أن يكون به نقائص معينة سوف تزال عنه إن قدر له أن يحظى بالجنة، وهذه النقائص وإن اعتبرها البعض أنها ليست نقائص إذا نسبت إلي الإنسان، فإنها لا محالة نقائص إذا نسبت إلي الله عز وجل. المولى تبارك وتعالى خلق للإنسان فم لمضغ به الطعام، فإذا قلنا إن والتفسير؛ لأنه لا تشابه ألبته بين الله عز وجل والإنسان في وجه من الوجوه.
حتى الاشتراك بين الله عز وجل والإنسان في بعض الصفات كالسمع والبصر والقدرة هو اشتراك لفظي أو مجازي، لأن الصفة لدى الإنسان ما هي إلا مظهر من مظاهر الصفة لدى الحق تبارك وتعالى .. فعلى سبيل المثال قدرة الإنسان ليست إلا وهبة ومنحة من قدرة الله جل شأنه. هذا التشابه اللفظي أو المجازي لا يجعل الإنسان يرقى بأي حال من الأحوال إلي أن يكون على صورة الله ومثاله، وذلك أيا كان المعنى المستفاد من نصوص المماثلة بين الله والإنسان.
أما عن حديث خلق آدم الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ في صحيح مسلم ـ أنه قال: “خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: السلام عليكم، فقال: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه (ورحمة الله) قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن”
وهنا نبادر فنقول: أن الضمير الوارد في كلمة (صورته) عائد على آدم، وعبارة طوله ستون ذراعا جاءت توضيحا لهذه الصورة .. أي صورة آدم .. يضاف إلي ذلك ما عرف عن الشريعة الإسلامية من أنها تميزت عن سائر الشرائع السماوية وغير السماوية بأنها تنزه الله عز وجل عن أن يكون له شبيه أو نظير أو ند أو مماثل، نذكر من ذلك قول الحق تبارك وتعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير “11″ سورة الشورى.
يضاف إلي ذلك أن حديث خلق آدم قد ورد برواية في صحيح البخاري بدون عبارة (على صورته) .. أي خلق الله آدم طوله ستون ذراعا إلي آخر الحديث. فتبارك ربنا الملك الحق الذي صورنا على غير مثال سبق وفي احسن تقويم دون أن نرقى إلي مماثلته أو مشابهته.
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
الملك
ملك الشيء أي حازه وانفرد باستعماله والانتفاع به أو التصرف فيه. والاسم مالك .. وأملكه الشيء أو ملكه الشيء أي جعله ملكا له .. وتملك الشيء أي امتلكه.
(والملك) بفتح الميم واللام هو واحد الملائكة، وهو جنس من خلق الله تعالى نوراني لطيف كجبريل وعزرائيل. أما (الملك) بفتح الميم وكسر اللام فهو اسم من أسماء الله الحسنى .. وهو يعني ذو الملك وصاحب التصرف فيما يملك بجميع الوجوه ما علمناه منها وما لم نعلم. حين يملك الإنسان شيئا يقال له مالك .. ولكن ملكه محدود بحدود ما ملكه من أشياء. وقد يستخدم الاسم (ملك) مع الإنسان .. ولكن يلاحظ أنه يأتي دائما مضافا .. كأن نقول ملك بلجيكا أي ولي السلطة ببلجيكا.
هذا عن ملك الإنسان .. أما عن ملك الحق جل وعلا فإن الأمر يختلف، لأنه سبحانه وتعالى ليس مالكا فحسب .. بل هو الملك …. الذي يملك الأشياء ويملك من ملكها. إذا امتلك إنسان قطعة أرض فإنه يصير مالكا …. أما الحق جل وعلا فهو الملك لأنه الملك هذا الإنسان ويملك قطعة الأرض ما بحكم كونه الخالق لهما وللكون بأكمله…. إن من يشتري شيئا يصير مالكا له .. فمن باب أولى أن ملكية الخالق لما خلق أجلى وأوضح.
وملك الله تبارك وتعالى لكونه يتضمن مفهوم الملكية البسيطة والمستقى من ملكية الناس لبعض متاع الدنيا ويزيد عليه بوجوه أخرى .. فملكية الإنسان ملكية رمزية، أما ملكية الله جل وعلا فهي ملكية حقيقية. إن لحق تبارك وتعالى يملك مخلوقاته ولا يشاركه في هذه الملكية أحد وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ،سورة البقرة ـ (107)
ويقول عز وجل: ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (سورة آل عمران ـ (189)
ويقول تبارك وتعالى: ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (سورة المائدة ـ 18).
ويقول سبحانه: ولله ملك السماوات والأرض وما فيهن (سورة المائدة ـ 120)
ولقد كلف الله رسله عليهم افضل الصلاة والتسليم بإخبار الناس بهذه الملكية .. وبالفعل كان الرسل جميعا يدعون الناس إلي الإيمان بملكية الحق تبارك وتعالى لكونه، كما يدعونهم إلي الإيمان بعقيدة التوحيد الخالص، ولقد كلف الله نبينا عليه افضل الصلاة وأتم التسليم بأن يخبر الناس بأنه جل وعلا هو الملك الذي له ملك السماوات والأرض .. فقال جل وعلا: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158سورة الأعراف)
ومن آثار ملكه عز وجل لكونه أنه يملك استبدال هذا الكون أو بعض منه بخلق جديد .. وفي ذلك يقول جل وعلا: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلي الله والله هو الغني الحميد “15″ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلقٍ جديدٍ “16″ وما ذلك على الله بعزيزٍ “17″ (سورة فاطر)
كما يملك أيضا أن يضيف إلي كونه ما ليس فيه كما قال جل وعلا: الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير “1″( سورة فاطر)
ومن هذه الآثار أيضا أنه تبارك وتعالى يحيي ويميت من يشاء حين يشاء ولا يشاركه في ذلك أحد .. وقد رأينا ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه .. هذا الرجل الذي آتاه الله ملكا، فتخيل بجهله أنه يملك الأحياء والإماتة فظن أنه إذا حكم على إنسان بالموت ثم عفا عنه فقد أحياه .. وإذا نفذ فيه الحم فقد أماته.
كان يملك سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يقول له: إن عفوك عن هذا الإنسان بعد أن حكمت عليه بالموت ليس إحياء، لأن الإحياء يكون من العدم أو يكون من الموت، وأنت لم تفعل هذا ولا ذاك، وإن افترضنا جدلا أنك عفوت عنه بعد أن حكمت عليه بالموت، فإنك بذلك لا تكون قد أحييته .. وإنما أبقيت على حياته والتي كانت له قبل أن تحكم عليه أو تعفو عنه .. أما عن ادعائك بأنك نفذت الحكم فإنك تكون بذلك قد أمته، فإن ذلك فهم مغلوط؛ لأنك في حقيقة الأمر نفذت إرادة الله بموته، ولم تمته بإرادتك وقدرتك.
ولكن سيدنا إبراهيم لم يلجأ إلي كل هذا الجدل، لأن حجج قهر الكافرين المجادلين بالباطل لا تحصى، لكنه اختار حجة يسيرة لم يملك هذا الرجل لها دفعا ولا ردا .. وفي ذلك يقول جل وعلا: ألم تر إلي الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذا قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين “258″ (سورة البقرة)
ومنها أنه سبحانه وتعالى يعلم عن كونه كل شيء .. يعلم كل صغيرة وكبيرة وفي ذلك يقول جل وعلا: وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون (سورة الأنعام ـ 80)
ويقول سبحانه: وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} (سورة فاطر ـ 11)
ويقول عز وجل: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض (سورة المائدة ـ 97)
ويقول الحق تبارك وتعالى: قال ربي يعلم القول في السماء والأرض (سورة الأنبياء ـ 4)
ويقول عز من قائل: قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض (سورة الفرقان ـ 6)
ومن آثار ملكه أيضا أن كل ما يستجد في الكون، وهو الغيب بالنسبة لنا يستجد بإرادته وبعلمه .. وفي ذلك يقول سبحانه: قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة (سورة الزمر ـ 46)
ويقول سبحانه وتعالى: ثم تردون إلي عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (سورة الجمعة ـ
ولم يقف علمه عند هذه الدرجة فحسب، بل أنه يعلم ما يجول بخواطر البشر، وما تنطوي عليه صدورهم، وفي ذلك يقول جل وعلا: ويعلم ما تخفون وما تعلنون} (سورة النمل ـ 25)
ويقول سبحانه: وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون “69″ (سورة غافر ـ 16)
ومن هذه الآثار أيضا أن مآل كل شيء إليه .. فكما كانت البداية منه فإن النهاية تكون لديه .. كما قال عز وجل: له ملك السماوات والأرض وإلي الله ترجع الأمور “5″ سورة الحديد)
وأنه مالك يوم الدين .. كما قال سبحانه وتعالى: الحمد لله رب العالمين “2″ الرحمن الرحيم “3″ مالك يوم الدين “4″ (سورة الفاتحة)
وكما قال عز وجل: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (سورة غافر ـ 16)
وأنه سبحانه وتعالى منفرد بالملك، بلا شريك ينازعه في ملكه وربوبيته وألوهيته في الدنيا والآخرة .. كما قال جل وعلا: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك (سورة الإسراء ـ 111)
وإذا كان الحق تبارك وتعالى هو الملك في الدنيا والآخرة، فهو ـ إذن ـ وحده وبلا شريك الذي يملك النفع والضر، وفي ذلك يقول عز وجل: قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} (سورة المائدة ـ 76)
ويقول سبحانه: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار (سورة يونس ـ 31)
ويقول المولى تبارك وتعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً (سورة النحل ـ 73)
ويقول الحق سبحانه: قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً (سورة الفتح ـ 11)
ويقول ربنا تبارك وتعالى: فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً (سورة الإسراء ـ 56)
ويقول وقوله الحق: ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً (سورة الفرقان ـ 3)
وإذا فهمنا ذلك فإنه ينبغي علينا أن ننصرف إليه وحده بالدعاء في كل صغيرة وكبيرة، لأن الدعاء لغيره دعاء لمن لا يملك شرا ولا نفعا .. بل إن جميع السبل التي يلجأ إليها الإنسان لتحقيق أغراضه ومصالحه كالرشوة والوساطة وغيرها كلها أسباب بيد الله. وينبغي أن نفهم جيدا أن الأسباب لا تحقق ما لا يريد الله تحقيقه، وإذا صادف أن تحققت مصلحة بأحد هذه السبل، فإنها تكون قد تحققت لأن إرادة الله قد شاءت لها أن تتحقق فالإرادة الإلهية تحرك الأسباب، بينما لا تملك الأسباب أن تؤثر في الإرادة أو تحقق ما يخالفها. والحق تبارك وتعالى يحثنا على أن نتوجه إليه سبحانه بالدعاء ودون أن نشرك معه غيره مع الثقة أن كل شيء منه .. فيقول جل شأنه: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير “26″ (سورة آل عمران)
ولقد أدرك نبي الله سليمان عليه السلام هذه الحقيقة .. فدعا الله وحده أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده .. فاستجاب الحق تبارك وتعالى لدعوته وسخر له كل عناصر الكون .. وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: قل رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب “35″ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب “36″ والشياطين كل بناءٍ وغواصٍ “37″ وآخرين مقرنين في الأصفاد “38″ هذا عطاؤنا فأمنن أو أمسك بغير حسابٍ “39″ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآبٍ “40″ (سورة ص)
إنه سبحانه وتعالى الملك .. الآمر الناهي في ملكه .. المعز المذل .. الذي يقلب شئون عباده ويصرفها كيف يشاء .. والإقرار له جل وعلا بالملك في الدنيا والآخرة والانفراد بهذا الملك فرض على المسلم. وقد التزم المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذا الفرض .. فكأن عليه افضل الصلاة وأتم التسليم يقول دوما صباحا ومساء: “أمسينا وأمسى الملك لله. وفي الصباح يقول أصبحنا وأصبح الملك لله”.
وكان يقول: “الحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهم وسوء الكبر وفتنة الدنيا وعذاب القبر”. والملك من الناس هو الذي يستغنى عن كل شيء سوى الله، وتلك رتبة الأنبياء عليهم السلام، وقد قال أحد المريدين لشيخه: أوصني .. فقال له: كن ملكا في الدنيا وملكا في الآخرة.
فقال: وكيف؟
قال الشيخ: اقطع طمعك وشهوتك عن الدنيا تكن ملكا في الدنيا والآخرة، فإن الملك في الحرية والاستغناء.
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]
رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
عن عائشة رضيَ اللهُ عنها، أنَّها ذُكِرَتْ عند رجلٍ، فسبَّها! فقيل له: أليست أُمَّك؟! قال: ما هي بأمّ! فبَلَغَها ذلك، فقالت: “صَدَق، إنَّما أنا أمُّ المؤمنين، وأمَّا الكافرين فلستُ لهم بأمّ”. رواه الإمامُ قِوَامُ السُّنَّةِ الأصبهانيُّ التَّيْمِيُّ في «الحُجَّة في بيانِ المَحَجَّة» (377) مِن طريقِ عُروة، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: “لَمَّا رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِيبَ النَّفْسِ, قُلْتُ: “يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ الله لِي”. قَالَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهَا وَمَا تَأَخَّرَ وَمَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنَتْ”, فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ حَتَّى سَقَطَ رَأْسُهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الضَّحِكِ, فَقَالَ: “أَيَسُرُّكِ دُعَائِي?” فَقَالَتْ: “وَمَا لِي لا يَسُرُّنِي دُعَاؤُكَ?” فَقَالَ: “وَاللهِ إِنَّهَا لَدَعْوَتِي لأُمَّتِي فِي كُلِّ صَلاة”. أخرجه البزَّار في ” مسنده ” ( 2658 – كشف الأستار ) وحَسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” (5 / 324).بأبي أنت وأمي يارسول الله ما أعظمك وما أرحمك بأُمَّتِك، ولقد وصفك ربك ومولاك فقال في حقك: “ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ“. وقال: “لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ”. فمتى نحرص نحن عليه وعلى اتِّبَاعِهِ حَقَّ الاتِّبَاع؟ اللهم جَازِهِ عَنا خير ماجَزَيْتَ نَبِياً عن أُمَّتِه واللهم عليك بمن آذاه في أهل بيته.
لا تستهينوا بأعراض المسلمين
رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ” فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ {24/6} وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ {24/7} وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ {24/8} وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ {24/9}” فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ “إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟” ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ” فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ”. رواه البخاري وغيره. هذا من رأى امرأته مع رجل آخر عليه أن يأتي بالبينة أو يُجلد ثمانين جلدة حدَّ القَذْف، فكيف بمن يرمي فلانة دون بينة ولا دليل بكذا وفلانة فعلت كذا وفلان ابن كذا وأخو كذا وأمه كذا، وخاصة النساء ممن يرمين فلانا أو فلانة بفعل شائن بهتانا وزورا وما أكثرهن في هذا الزمان والله المستعان.. والقذف من كبائر الذنوب التي توجب الحد في الدنيا أو العذاب في الآخرة، فاتقوا الله عباد الله في أعراض المسلمين.
ابحث عن قلبي اين قلبي؟
قلبي آينْ آنتْ . ؟
قلبي آيهَمِ قَلبكْ ؟
آلقُلبِ آلحَيّ آلسًليمْ
وهو قلب ينبض بالايمان والاخلاص وامتلأ بمحبة الله ومحبة مايحبه ويرضاه وهو قلب.
آلَقلبْ آلمُريضِ وهو متقلب بينن الايمان والنفاق يصحو تآرة ويغفو تآرة وهو قلب .
آلًقلبٍ آلميتْ وهو قلب موحش مظلم خال من الايمان كالبيت الخرب تسكنه الشياطين وقد امتلا بالكفر والفسوق وهو قلب .
القلب المنكوس وهو قلب فارغ كالإناء المنكوس مهما وضعت بداخله شي لا يستقر . لايعرف معروفاً ولا منكراً وهو قلب المنافق ..
الرآن قال تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين : 14 )
التغليف. قال تعالى (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) (البقرة : 88 )
عدم الفقه .. قال تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ) (الأعراف : 179 )
الطبع والزيغ .. قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) (الصف : 5 )
العمى قال تعالى ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج : 46 )
وكًثرةٍ آلخَلطهْ وآلشَبعِ وكَثرةْ آلنوَمِ وآلتَعلقْ بغَيرِ آلله وآلتَمنىِ .
الوجل قال تعالى(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون 60 )
المحبة المؤمنون هم الذين يحبون الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) (البقرة : 165 )
الاخلاص وهنا يكون الفآرق بين المؤمن والمنافق قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة : 5 )
الاخبات الخضوع الكامل المطلق لا اعتراض على امر من الله قال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (النساء : 65 )
التسليم هو الذي لا يخطر على البالل معه أدنى اعتراض قال تعالى (وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (النساء 65 الإنابة أن يعود الانسان ويرجع الى الله رجوعاً كلياً متجرداً خالصاً الى الله قال تعالى (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ) (الزمر : 54 )
الخشية مدح الله وأثنى على الذين يخشونه قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر : 28 )
الخشوع وهو ان يكون القلب خاشعاً ذليلاً الى الله العزيز الجبار قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد : 16 )
التوكل التوكل يدخل في االاستعانه وهو بينه تعالى في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة 5
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد و أسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً
وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم واستغفرك مما تعلم وأنت علاّم الغيوب
اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم ..
القادر
قال تعالى: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ“23″ (سورة المرسلات)
قدرة الحق سبحانه لا تقارن بقدرة الخلق، فالله حي وأنت حي، لكن هل حياة المخلوق المنتهية يمكن أن تقارن بحياة الخالق الأزلي الدائم؟ إن الله سميع والإنسان يسمع، فهل سمع الله ـ وهو الخالق البارئ المصور ـ كسمع البشر المحدود، إن أي شيء يأت عن الله إنما يجب أن نأخذه بعيداً عن التصور البشري، إنما نأخذه في إطار: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ “11″ (سورة الشورى)
إن البشر المتشابهين هم من خلق الله، وكل فرد فيهم، له علامات تميزه قد ندركها، وقد لا يدركها إلا المتخصصون، وآخر الاختلافات الجوهرية في البصمة وفي الشكل وفي السلوك، فما بالنا باختلاف البشر جميعاً عن الخالق القادر؟ لذلك يقول المحققون: إن على الإنسان المؤمن بالله أن يعلم أنه هو بعض من خلق الله، والله سبحانه وتعالى يعطينا الحقائق التي تفوق كل ما في رؤوس البشر جميعاً لماذا؟ لأنه القادر المطلق، والقادر لا ينقلب إلي مقدور أبداً، ومن عظمة الحق سبحانه أن العقل لا يمكن أن يتصوره، ومن رحمة الله بالخلق أن وصف لنا نفسه بأنه: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ “11″ (سورة الشورى)
وضرب الحق سبحانه لنا المثل بالروح التي تدب في الإنسان فيتحرك ويسعى إلي الرزق، ولكن إذا خرجت الروح صار الجسد رمة، وتتحول العناصر إلي التراب. فهل ينتظر الناس أن يأتي الله والملائكة في ظلل من الغمام، أي: بما يحجب البصر، وتعلن الساعة، إذا كانوا ينتظرون ذلك، فلسوف تقوم الساعة بأشراطها، وفي ميعادها الذي لا يعرفه إلا الله. ولسوف يرى المؤمن والكافر أن الله قادر فوق كل العباد. إن المؤمن يرجع إلي الله؛ لأنه يؤمن بالله ويعمل العمل الصالح ليقوده إلي الجنة، والكافر يعود إلي الله مجبراً مسوقاً مقهوراً.
إن الله سبحانه وتعالى حين يخلق قانوناً من القوانين يطلقه ويقيده (هو مطلق بإرادة الله) مقيد بإرادة الله، قد تبدو هذه العبارة متناقضة ولكنها حقيقة، فالله سبحانه وتعالى مثلاً أطلق قانوناً بأن الذرية تأتي من اجتماع الذكر والأنثى، فمتى تزوج رجل وامرأة فالوضع الطبيعي على إطلاقه أن ينجبا أطفالاً. وفي بعض الأحيان يمضي القانون بغير رغبة الطرفين، فقد يكون الزوج أو الزوجة غير راغبين في الإنجاب السريع، ومع ذلك يتم الإنجاب، إذن: فالقانون على طلاقته يمضي في الكون لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين جنس وجنس، ولا بين أي شيء آخر، فالقاعدة هي القاعدة لكي يتم الإنجاب، لكي يولد الأطفال، فلابد من ذكر وأنثى.
ثم يأتي بعد ذلك أن هذا القانون رغم إطلاقه مقيد بإرادة الله، مصداقاً لقوله تعالى:أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ “50″ (سورة الشورى)
القاعدة في انطلاق القانون وطلاقته أنه كي يولد طفل لابد من ذكر وأنثى، ولكن التقيد بالمشيئة الذي يسيطر على هذا القانون هو في أن تسبق إرادة الله إتمام الخلق، فكل رجل وامرأة يستطيعان أن ينجبا طفلاً إذا شاء الله، وإن لم يشأ اجتمع الرجل والمرأة ولا يأتي الطفل. ويذهب الاثنان إلي الأطباء ويعالجان، ويتدخل العلم بكل قدراته، ولا يحدث إنجاب، فلو أن الأصل في القانون هو طلاقته، لتم الإنجاب بين كل رجل وامرأة، ولكن الأصل في القانون هو طلاقته مقيد بالمشيئة، فلا يتم الإنجاب إلا إذا شاء الله.
والله سبحانه وتعالى يقول: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ “50″ (سورة الشورى)
وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى يطلق القانون ويقيده، ولكنك أنت تتبع القانون ولا تستطيع أن تقيده، ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى وضع قوانين للكون، هذه القوانين تمضي كل يوم تؤدي ما أمرها الله به، ولكن الله سبحانه وتعالى يأتي في بعض الأحيان ويعطل هذه القوانين، ويحدث ذلك في حالتين:
الحالة الأولى: إذا أرسل سبحانه وتعالى نبياً أو رسولاً إلي الناس ليهديهم إلي الحق. في هذه الحالة يعطي هذا الرسول أو النبي آية ليصدق الناس أنه مرسل من الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنه حين يأتي إنسان ويقول: أنا رسول من عند الله، جئت لأبين منهجه، أتصدقه، وهنا يطالبه السامع بإثبات ما يقول. إذن: كان لابد أن تجئ مع كل رسول معجزة تثبت صدقه في رسالته وفي بلاغه عن الله. ومعجزات الله تتميز أولاً بأنها تتحدى البشر، وثانياً: بأنها خرق لقوانين الكون، فالتحدي يأتي من نفس نوع العمل الذي نبغ فيه الناس في ذلك العصر.
فأنت حين تتحدى لا تأتي لإنسان ضعيف وتتحداه في مباراة لرفع الأثقال، ولكن تأتي لبطل العالم وتواجهه بهذا التحدي، وإذا أتيت قوماً كانوا نابغين في الطب، فلابد من أن تأتيهم بمعجزة من نفس ما نبغوا فيه؛ ولذلك فإن القرآن الكريم قد تحدى العرب بالبلاغة، وهي ما نبغوا فيها. والله سبحانه وتعالى حينما أيد رسله وجه لهم قوانين الحياة حسب مطلوبه، فمثلاً معجزة إبراهيم ـ عليه السلام ـ وجه الله فيها خاصية الإحراق للنار لتكون برداً وسلاماً، لقد جاء الكفار ممن عاشوا في عهد إبراهيم ـ عليه السلام ـ ليحرقوا إبراهيم أمام أصنامهم وآلهتهم، وفي ظنهم أن هذه الآلهة ستعاونهم على الفتك بإبراهيم. فماذا حدث؟
جاءوا بإبراهيم وأمام آلهتهم وفي حمايتهم، وأوقدوا ناراً هائلة ليحرقوه، والحرق هنا أمام الآلهة وعلى مشهد منها، وليكون الانتقام من إبراهيم انتقاماً تباركه الآلهة وتجعله رهيباً. وشاء الله سبحانه وتعالى أن يتم ذلك كله، فكان من الممكن أن يختفي إبراهيم في أي مكان، كان ذلك ممكناً ليقي إبراهيم الحرق، والله قادر على جعلهم لا يقدرون عليه، قادر على أن يخفيه عنهم، ولكنه لو حدث هذا لقالوا: إننا قبضنا على إبراهيم وأحرقناه، ولذلك كان لابد أن يقع إبراهيم في أيديهم ليعرف القوم جميعاً سفاهة معتقداتهم. وكان من الممكن أن تنطفئ النار لأي سبب من الأسباب، كأن ينزل المطر من السماء مثلاً، والنار لم تنطفئ بل ازدادت اشتعالاً، وألقوا بإبراهيم في النار ليحرقوه.
والله سبحانه وتعالى يبطل خاصية الإحراق في النار، فيوظف النار في غر اختصاصها بخاصية أخرى لتكون برداً وسلاماً. إذن: فمعجزة إبراهيم ليست أن ينجو من النار، ولو أراد الله أن ينجيه ما استطاعوا أن يقبضوا عليه، ولكن الله شاء أن تظل النار متأججة محرقة قوية، ويلقي فيها إبراهيم أمام الناس، ثم يعطل الله ناموس إحراقها. وموسى عليه السلام ضرب البحر بعصاه فانشق، وخاصية الماء الاستطراق، ولكن الله سبحانه وتعالى أمر البحر أن ينشق لموسى، وعطل له قانوناً من قوانين الكون.
وعيسى ـ عليه السلام ـ كانت له أكثر من معجزة في إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. هذه هي بعض الأشياء التي تلفتنا إلي قدرة الله سبحانه وتعالى فيما خرق من نواميس الكون، ليؤيد رسالته، ويدل الناس على صدق رسالات السماء. تأتي بعد ذلك الحالات التي يغير الله فيها ناموساً من نواميس الكون ليلفت الناس إلي طلاقة قدرته؛ لأن طلاقة القدرة لها حق المحو والإثبات، ولها أن تجعل سبباً للشيء، ولها أن تلغي الأسباب. مثلاً آدم بغير أم ولا أب، وحواء بغير أم، وعيسى بغير أب، ومحمد بأب وأم، وهذه طلاقة القدرة وهناك رزق بحساب، ورزق بغير حساب.
الأول: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ “46″ (سورة فصلت)
والثاني: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ “212″ (سورة البقرة)
[ عودة للقائمة الرئيسيّة ]